مراجعة كتاب.. تحت وطأة الحائط حارة المغاربة في القدس: حياتها وموتها(1187-1967)

Date
2026-03
Authors
محمد رضوان
Journal Title
Journal ISSN
Volume Title
Publisher
جامعة القدس
Abstract
برغم انتماء المؤرخ فانسان لومير(Vincent LEMIRE) للمؤسسة الثقافية الرسمية الفرنسية، إلا أن إسرائيل لا تنظر إليه بعين الرضى لسببين اثنين؛ سياسيًا وأكاديميًا. ففي 12 يناير/كانون الثاني 2026 نشرت صحيفة لوموند (Lemonde) الفرنسية قصاصة بعنوان "تحت الضغط، سمحت السلطات الإسرائيلية أخيرًا للمؤرخ فانسان لومير بالسفر إلى إسرائيل". وكان لومير قد مُنع من دخول إسرائيل بسبب تنديده علنًا بالوضع الإنساني الكارثي في غزة، ودعوته إلى فرض عقوبات على إسرائيل، وتخطيطه لعقد نحو عشرين ندوة ولقاء مع باحثين وطلاب، من بينهم إسرائيليون وفلسطينيون. لكن خلف هذا الموقف السياسي، الذي لم يتفرد به لومير في وسط النخبة الفرنسية المثقفة، هناك سبب آخر يعد -برأيي- الأقوى في منعه سابقا من دخول إسرائيل، ويتعلق الأمر بعامل أكاديمي يتمثل في كتابه "تحت وطأة الحائط: حارة المغاربة في القدس: حياتها وموتها (1187-1967)" (Lemire, 2022). الموضوع الرئيس للكتاب ليس جديدا في اهتمام المؤرخين والأكاديميين، إذ ينصب على "حارة المغاربة" التي كتب عنها الكثيرون، لكن لومير يعود لهذا الموضوع من منظور المؤرخ المُدقق، والخبير المُتمكن من التنقيب في الأرشيفات والوثائق الدبلوماسية، واستقراء المخطوطات غير المتاحة لعامة الباحثين والمؤرخين. يبدو أن اهتمام لومير بالقدس ودراساته التاريخية عنها، كشف له عن تلك الحلقة المفقودة أو "المنسية" كما يصفها هو عن المصير المأساوي الذي لقيه ذلك الحي، أو تلك الحارة المغاربية، بعد صمودها لعدة قرون. يمتلك لومير، الحاصل على شهادة تدريس في التاريخ (1998) ودكتوراه في التاريخ (2006)، المؤهلات العلمية كافة للغوص في ذاكرة الحي، كما يمتلك شروط ذلك كونه مديرا للمركز الفرنسي للأبحاث في القدس (CNRS-MAE)، وأستاذا في جامعة باريس-إيست/غوستاف-إيفل، ومديرا لمشروع القدس المفتوحة الأوروبي، فضلا عن أنه سبق له أن أصدر مؤلفات عديدة عن القدس، منها؛ "القدس، تاريخ مدينة عالمية"(فلاماريون) وكتاب "تاريخ القدس"، الصادر عن دار نشر أريناس بي دي (بيعت منه 350 ألف نسخة)، وكتاب "العطش في القدس: دراسة عن التاريخ المائي"(2010)، و"القدس 1900.. زمن التعايش والتحولات".. في كتابه الأخير، قيد المراجعة هنا، "تحت وطأة الحائط: حارة المغاربة في القدس: حياتها وموتها (1187-1967)" الصادر في 2022 عن دار النشر الفرنسية لوسوي (Le Seuil)، والذي قامت مؤسسة الدراسات الفلسطينية بترجمته (لومير، 2024)، يذكّر لومير أن "حارة المغاربة" أو"حارة المغاربيين" -كما يسميها- يعد واحدة من أجزاء القدس التاريخية المشهورة. وتعكس هذه الحارة، التي تم تجريفها من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي ليلة العاشر من العام 1967م، جانبا بارزًا من صور ارتباط المغاربة أو المغاربيين بالقدس، ورمزًا تاريخيًّا لحضورهم وجهادهم ومشاركتهم في أحداث كبرى عرفتها هذه المدينة منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وقبل ذلك عقب استعادتها من الصليبيين على يد صلاح الدين الأيوبي (رضوان، 2023، ص: 6). واستنادا إلى دراسات عنيت بتاريخ الحارة، يمكن القول إن طابعها العمراني كان شبيها بالأحياء العتيقة في المدن العربية والإسلامية القديمة (يُنظر: التازي، 1972؛ بركات، 2021؛ الجعبة، 2021؛ باجس، 2024). يستفيض المؤرخ الفرنسي فانسان لومير في مؤلفه، وعبر صفحاته التي تناهز 397 صفحة، في ذكر مظاهر الحياة التي كانت تزخر بها حارة المغاربيين طوال عدة قرون بفضل مجموعة من المؤسسات، والأوقاف الخيرية، التي كانت تهدف إلى إيواء ورعاية القادمين إليها من الغرب الإسلامي على غرار وقف أبي مدين الشهير. غير أن لومير لا يكتفي هنا بتتبع ثمانية قرون من حياة هذه الحارة في القدس، ولكن أيضًا طريقة اختفائها المفاجئ في أعقاب حرب حزيران - 1967، والتكتم على حدث تجريفها و إزالتها بشكل نهائي، بعد أن سمحت إسرائيل لنفسها بالاستيلاء عليها، وإجلاء أعداد كبيرة من سكان الحي في غضون ساعتين فقط لمحو آثارهم وتاريخهم بالجرافات فيما قضى عدد آخر منهم رفض التهجير تحت الأنقاض.
Description
Keywords
Citation